إعادة صياغة اقتصاد العمل الحر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: التحول الهادئ للبيع المباشر
تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولات اقتصادية عميقة تفرض إعادة التفكير في نماذج العمل والدخل. فمعدلات بطالة الشباب المرتفعة، وتقلب الأسواق، والضغوط المتزايدة على القدرة الشرائية، تدفع أعدادًا متزايدة من الأفراد إلى البحث عن مصادر دخل أكثر مرونة واستدامة. وغالبًا ما يُنظر إلى اقتصاد المنصات الرقمية، مثل خدمات التوصيل والعمل الحر عبر الإنترنت، على أنه الحل الأساسي. غير أن هذا التصور يظل جزئيًا.
هناك نموذج آخر أقل ظهورًا، لكنه لا يقل تأثيرًا، يستحق اليوم اهتمامًا أكبر، وهو البيع المباشر المسؤول.
رغم ما يحيط به من تصورات مغلوطة، فإن البيع المباشر المشروع، بما في ذلك بعض نماذج التسويق الشبكي الأخلاقي، يتقاطع بشكل واضح مع اقتصاد العمل الحر. فهو يقوم على الاستقلالية، ومرونة الوقت، وانخفاض عتبة الدخول، مع اعتماد متزايد على الأدوات الرقمية. يتيح هذا النموذج للأفراد بناء نشاط اقتصادي مستقل، يعتمد على العلاقة المباشرة مع المستهلك، وعلى الثقة وقيمة المنتج.
في منطقة MENA، وخاصة في المغرب، يفتح هذا النموذج آفاقًا حقيقية أمام فئات تعاني من ضعف الاندماج في سوق العمل الرسمي. فالنساء والشباب وسكان المناطق القروية يواجهون تحديات هيكلية تحد من فرصهم المهنية. ويأتي البيع المباشر كبديل عملي، لا يتطلب رأس مال كبيرًا ولا شهادات رسمية، ويتيح مرونة في ساعات العمل، مع اكتساب مهارات أساسية في التواصل، واستخدام التكنولوجيا، وإدارة العلاقات مع العملاء.
على الصعيد العالمي، لم يعد البيع المباشر نشاطًا هامشيًا. إذ تشير بيانات الاتحاد العالمي لجمعيات البيع المباشر إلى أن هذا القطاع يضم أكثر من 114 مليون مشارك، وحقق مبيعات تجاوزت 167 مليار دولار في عام 2023. وفي أفريقيا والشرق الأوسط، يستفيد هذا النموذج من الانتشار الواسع للهواتف الذكية، وثقافة العلاقات المباشرة، والحاجة المتزايدة إلى حلول اقتصادية شاملة.
في دول تسود فيها أنماط العمل غير المهيكل، يمكن للبيع المباشر أن يشكل جسرًا نحو عمل ذاتي أكثر تنظيمًا. وعندما يستند إلى منتجات حقيقية، ونظم تعويض شفافة، وممارسات أخلاقية واضحة، فإنه يساهم في تعزيز الصمود الاقتصادي للأفراد والمجتمعات.
لقد أثبتت شركات عالمية مثل Avon وOriflame على مدى عقود قدرة هذا النموذج على خلق مسارات مهنية مستقلة. كما تُظهر شركات أحدث حضورًا في المنطقة، مثل QNET، كيف يمكن للتقنيات الرقمية، وبرامج التدريب، والمعايير الأخلاقية الصارمة، أن ترفع من مستوى الاحتراف في هذا القطاع. من خلال منصات التجارة الإلكترونية، والأدوات الرقمية، وبناء القدرات، يتم تمكين رواد أعمال جدد من الانطلاق ضمن إطار منظم.
ويبقى التحدي الأساسي هو الإطار التنظيمي. فتعزيز التمييز الواضح بين النماذج المشروعة والممارسات الاحتيالية، وحماية المستهلكين، ودعم الإدماج المالي، كلها شروط ضرورية لتحويل البيع المباشر إلى رافعة حقيقية للتنمية.
إن إعادة التفكير في اقتصاد العمل الحر في المنطقة لا تعني التركيز فقط على المنصات الأكثر شهرة، بل توسيع الرؤية لتشمل نماذج بديلة قادرة على تحقيق الشمول الاقتصادي. والبيع المباشر المسؤول، إذا ما تم تأطيره بشكل سليم، يمكن أن يكون أحد هذه المسارات الواعدة.